بين النهضة والتخلّف . . . يقف الموظّف (2)
( أخي الموظف: ماذا تريد ؟ وماذا نريد ؟)
ذكرنا
فيما سبق مقدمة لما هو عليه حال الأنظمة الإدارية في معظم بلداننا العربية،
والعلاقة بين العقيدة وأداء الموظف لعمله . . . واستكمالاً لهذه السلسلة ( بين
النهضة والتخلف . . . يقف الموظف ) سنتحدث عن حقوق الطرفين كلٌ تجاه الآخر، فليس
من المعقول الحديث دائمًا عما يريده المجتمع من الموظف، متناسين أن له حقوقاً، وأن
هناك همومًا يحملها، وأنه بشر يجتهد ويخطئ، ويغفل ويقصِّر . . .
وسنحاول
تقمص شخصية الموظف للتعبير عما يتمناه، وما يتطلع إليه، وما يريده... فأنا أريد من كل نظام ودولة ومؤسسة عامة أو خاصة أن
تعتني بحقوق الموظفين أياً كانت مادية أو نظامية أو إنسانية، فلابد من احترام
وتقدير، وتشجيع وتحفيز، وتواضع وكلمة طيبة، وتغاضٍ عن زلات وهنات لا يخلو منها
أحد، فالموظفون بشر لهم ظروف وأعذار، وفيهم الكبار والصغار، ولابد من تذليل
العقبات التي تواجه كثيرًا منهم، ولابد أن نقف معهم وأن نعينهم في التغلب على هذه العقبات
والمعوِّقات التي يتعرضون لها.
أمَّا ما نريده
منك أيها الموظف أن تخلص النية لله، وتبذل جهدك، فنحن لا نطالبك بالمثاليات، ولا
نطالبك إلا بما تستطيع، ولكن نطالبك بمراقبة الله ومحاسبة النفس والذات، فشتان بين
من اتصف بالجدية والحماس وحب العمل وإِنْ تشكَّى من كثرة العقبات، وبين من جعل
كثرة العقبات والمشاكل حجة له لتبرير إهماله وتفريطه وكسبه الحرام... وقصص الموظفين
الفضلاء الذين لا ينكر جهدهم ولا ينسى فضلهم، الذين استطاعوا النجاح بالرغم
من كثرة الأعباء والعقبات كثيرة؛ فحبهم لأمتهم
ومصالحها مقدم على حب الذات (مرض
الأنا) هذا المرض الذي ينخر في جسد المجتمعات، ويتسلل لكثير من الطاقات، وينتج عن
الإصابة به فساد الدول والمؤسسات، والإدارات والشركات؛ فهو يجعل التعاون الذي هو
أساس العمل صعبًا إن لم يكن مستحيلاً . . . ولهذا وجب على كل موظف يحب دينه وأمته
ووطنه، ويتمنى لها النهوض والريادة الحذر منه؛ فتضخم الذات عند بعض الموظفين لم
يُبق مكاناً للآخرين. . . ولتعلم أخي أن أهم الصفات
المطلوبة شرعاً في الموظف المسلم صفتان، هما: القوة والأمانة، كما جاء في الذكر
الحكيم " إن خير من استأجرت القوي الأمين
" . . .
أما
القــوة : فمعناها القدرة على تحمل تبعات الوظيفة، فتشمل
قوة الجسم، وقوة الشخصية بالقدرة على مواجهة الناس، والجرأة والأخذ والعطاء معهم، واستقبال
الجمهور، والقوة في الفكر، وذلك بقدرة الموظف على التجديد والابتكار، والقوة في
التعامل مع زملائه والمسئولين عنه . . . ومن تأمل في هذه الأمور وتأمل واقع البعض
من الموظفين علم الحكمة العظيمة من تقرير الإسلام للقوة وأنها واجبة في كل صاحب
وظيفة أو عمل؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم قوياً في إدارته، وفي جهاده، وفي تنفيذه لحدود
الله، حيث يأتيه أسامة بن زيد حِبه ويطلب منه تخفيف حكم حد السرقة على المخزومية
التي سرقت، فيقول صلى الله عليه وسلم مغضباً:" أَتَشْفَعُ
فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ " ثم قام في الناس وحمد الله وأثنى
عليه وقال:" إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ
إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ
قَطَعُوهُ ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ".
أعرفت إذاً لماذا شرط القوة ،فالحزم وعدم التهاون في تنفيذ القرارات التي لا يصح
التنازل عنها ولا المجاملة فيها على حساب الصالح العام من القوة التي يحبها الله
في المسلم . . . ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يولّ على عمل من الأعمال رجلاً ضعيفاً، فقد
كان يولي الأقوياء، ولا يكتفي صلى الله عليه وسلم بالاعتذار من الضعفاء، بل ويحذرهم من
تحملهم ما لا يقدرون عليه، جاءه أبو ذر
رضي الله عنه مرة وطلب الإمارة، فضرب النبي صلى الله
عليه وسلم على كتفه، وقال:" يَا أَبَا ذَرٍّ
إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ
وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا
"
فالذي يتولى شيئاً من أمور الناس يشترط فيه القوة ليقف في وجه المفسدين الأقوياء، وليؤدي
حق الضعفاء، وليعمل ما ينبغي من خدمة الصالح العام، والإسلام ينظر للإنسان أنه
كلما علت منزلته في المجتمع كان ذلك سبباً في زيادة مسئوليته وتشديد حسابه. وعندما
عزل عمر شرحبيل بن حسنة عن الشام وولّى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، قال
شرحبيل لعمر: "لم عزلتني؟ هل رأيت شيئاً في ديني؟" قال عمر: "لا
والله إنك كما أحب، ولكنني أريد رجلاً أقوى من رجل" كأنه رأى فيه ضعفاً ـ
قال: فأخبرْ الناس حتى لا تكون فيهم مقالة، فخطب عمر الناس وأعلمهم بذلك . . .
وربما توفر في الرجل صفة الصلاح والأمانة، لكن ربما لا تتوفر فيه القوة المطلوبة
للعمل المراد؛ فاتصافه بالأمانة لا يعني أن يكون قوياً.
أما الصفة
الثانية الأمانــة: وهي أداء
الحقوق، والتعفف عن ما ليس له بحق... وكما أن القوة لا تكفي وحدها، فالأمانة أيضاً
لا تكفي وحدها، بل لابد من القوة والأمانة معاً، فكم من رجل قوي وحازم ومؤد للعمل،
إلا أنه أمام المال ضعيف، فيأخذ مالا حق له فيه، ويستعمل الممتلكات العامة في
أغراض خاصة، وربما استخدم صلاحياته في خارج حدودها، أو يزيد في الفواتير مبالغ غير
مذكورة ونحو ذلك . . . وهذا كله حرام وخطير، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا
إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ " وإذا وُكّل غير الأمناء
والأقوياء على الوظائف حصل الخلل في المؤسسات وفي الوزارات وفي سائر أعمال
الولايات، فقال صلى الله عليه وسلم : " إِذَا
وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ".
فاحذر من استغلال وظيفتك لجر منفعة شخصية لك أو لقرابتك، فإن التشبع من المال
العام جريمة قال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ
اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَهُوَ غُلُولٌ" وقد شدَّد الإسلام في ضرورة التعفف عن
استغلال المنصب وشدد في رفض المكاسب المشبوهة، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ
الْكِنْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ
اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمْنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ
كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ
أَسْوَدُ مِنْ الأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ : اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ .قَالَ :"وَمَا لَكَ" ؟! قَالَ:سَمِعْتُكَ
تَقُولُ كَذَا وَكَذَا .قَالَ صلى الله عليه وسلم : "وَأَنَا
أَقُولُهُ الآنَ : مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ
بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ
انْتَهَى".
هذه الصفة
التي أبت السموات والأرض أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً "،
إنها الأمانة عند المسلم تتجلى في أدق معانيها التي ينبغي التزامها، فلا يجوز
للموظف مثلاً استخدام أدوات العمل مهما كانت صغيرة في أموره ومنافعه الخاصة،فليس
في الإسلام شيء صغير فقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
" وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ " ومن قصد أخذ شيء من مكان عمله
فيجب أن يكفِّر عنه بالتوبة إلى الله والندم وعدم العودة إليه، وأن يُرجِع مثل ما
أخذ إلى مؤسسته، ولله در بعض سائقي السيارات الذين يصرفون وقوداً ببطاقات يزيد بعض
الشيء فيها لا تطالبهم إدارتهم به ولكنهم
يسألون عنه تورعاً لدينهم وهي لا تساوي إلا القليل كقرشين أو نحوه ولكن قرش
وقرش، وورقة وورقة حتى تكون شيئاً كثيراً فتخسر الدولة أو المؤسسة الشيء الكثير بذهاب
مثلها، ولو لم تخسر كقول البعض لا يضر الدولة هذا، فهو دين وأمانة، وحق عام ليس
لأحد تملكه، وليس لك حجة بأن غيرك يأخذ ويسرق أكبر وأكثر فـ " كل نفس بما كسبت رهينة " وهذا من حجج الشيطان
ومداخله
وأخيرًا اعلم أخي أنَّ أيَّما
موظف أخذ هدية أو قبل تخفيضاً أو نحو هذا من جهات أو أفراد لهم علاقة في جهة عمله
من قريب أو بعيد فليتنبه وليحذر فإنها من الغلول الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم ،ولا يجوز قبولها لحديث عبد الله بن
اللتبية أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على صدقة فلما رجع قَالَ هَذَا لَكُمْ
وََذا لِي أُهْدِيَ لِي قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى
عَلَيْهِ وَقَالَ:"
مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلا
قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى
إِلَيْهِ أَمْ لا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ
مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ
بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْشَاةٌ تَيْعِرُ ثُمَّ
رَفَعَ يَدَيْهِ ـ قال الراوي :حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ـ ثُمَّ
قَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ . فمن تساهل في عمله أو قصّر فيه أو استغله لمنفعة
خاصة فراتبه مدخول وفيه شبهة فاتق الله أيها الموظف وقم بعملك واجتهد فيه لتأكل
حلالا طيباً مباركاً لك فيه.