بين النهضة والتخلّف . . . يقف الموظّف (1)
تعاني الأنظمة الإدارية في غالبية الدول الإسلامية والعربية التخبط والتخلف الإداري الشديد ،وخاصة لدى موظفي القطاع العام وهذه حقيقة في مجملها صحيحة للأسف وهذا الأمر لا يحتاج إلى دراسة أو تقصٍّ لإثباته، في الوقت الذي نسمع عن تفوق غيرنا في هذا العصر والذي يقف وراءه نظام العمل لديهم، فهم ينظرون له كعبادة مقدسة، فهم يعملون ساعات العمل بل دقائقه بجدّ وأمانة، في الوقت الذي يبلغ عطاء البعض ـ في بعض بلداننا العربية ـ في وظيفته بمعدل نصف ساعة فقط، من الثماني ساعات التي يجلسها على المكتب . . .
ومن توفيق الله تعالى لكثير من المسلمين في الأرض أن يسَّر لهم أبواب رزقهم بوظائف وأعمال وولايات تولوها لتكون لهم مصدر رزق وسعي، وأكثر الناس اليوم موظفون والوظيفة أمانة تحتاج لحسن رعاية ومسؤولية، وديننا عظيم وتتضح عظمته وقوة حضارته من خلال النصوص الشرعية في الوظائف والولايات وأداء الأمانات لو أخذه المسلمون بقوة، واجتهدوا ببذل الأسباب، وتخلصوا من التقليد والتبعية، وفطنوا لخطورة الهزيمة النفسية ،وفقهوا دينهم بحق،وعملوا بقول الله وقول رسوله e . . .
وقد غفل كثير من الموظفين عن علاقة إسلامه وعقيدته، بعمله ووظيفته، فترى مسلماً موظفاً يحرص على صلاة الجماعة، ويسابق على الصف الأول، ويصوم النوافل، ويتجنب كثيراً من المعاملات المالية المشبوهة، ويحترق قلبه على منكر نظر إليه، بل ربما سارع في إنكاره، وهذا كله جميل ومفرح ومأجور صاحبه إن شاء الله، لكن العجب العجاب أن ترى هذا الموظف الذي اتصف بمثل هذه الصفات وأكثر لا يُراقب حاله وأعماله وتصرفاته في وظيفته وعمله، فهو يسرق من وقت وظيفته ساعات، ويسارع في طلب الانتدابات والمكافآت في غير حق، ويحتال على الإجازات والتغيبات . . . إلى آخر مانسمعه ونراه في عالم الوظيفة والموظفين، وكأن الوظيفة لا تمت لدينه بصلة، وكأن الراتب الوظيفي لا يدخله الحلال والحرام بسب التقصير والإخلال . . . إذاً فكل فعل وقول وحركة في حياتك فلك فيها أجر ، بشرط أن يحبها الله ويرضاها(أي خالصة لله ، وكما جاءت عن رسول الله e) هذا هو هدف المسلم في الحياة رضا الله عز وجل في كل شيء " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ". . . والله لو عاش المسلمون بهذا المفهوم لما كان هناك انفصام في شخصية الكثير منهم . . .
فعلى الموظف أن يشعر وهو في وظيفته أنه في طاعة لله، له أجر وثواب من الله ، يحتسب التعب والنصب، ويصبر على ساعات الدوام والعمل، ويتقن عمله ... أما من يعمل من أجل المال والراتب فقط، فإن هذا مهما بلغ لا يُساوي قطرة عرق تسيل على جبينه الوضيء فالدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وإن كنت تعمل بإخلاص ومراقبة لله فأنت على خير، مخلوف عليك جهدك ووقتك وتعبك، فلا تحرم نفسك الخير إذاً، وراقب الله في عملك ولا تراقب المخلوقين، وخف من الله ولا تخف من المخلوقين، واتق الله في الأمانة التي ائتمنت عليها ، ومن ذلك الحرص على أداء واجبك كاملا في العمل المنوط بك وأن تحسن فيه تمام الإحسان، إنها الأمانة التي يمجِّدها الإسلام بأن يخلص الرجل لعمله ،بل ويُتقنه ويجتهد وسعه فيه، ويسهر على حقوق الناس التي وضعت بين يديه، أما استهانة الفرد بما كلف به فهو من استشراء الفساد في كيان الأمة وتأخرها، وهو خيانة للأمة والأمانة وللواجب الذي ائتمن عليه، وخيانة الواجبات تتفاوت إثما وأشدها شناعة ما أصاب الدين وجمهور المسلمين وتعرضت البلاد لأذاه .قال عليه الصلاة والسلام:" إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَقِيلَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ "(متفق عليه) وفي رواية لمسلم :" لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ أَلا وَلا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ ".أي ليس أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها.وهنيئاً لمن التزم حدود الله في وظيفته،وقام بالواجب الذي طوقه،فهو عند الله من المجاهدين لنصرة دينه وإعلاء كلمته ، كما قال e:"العامل إذا اسْتُعْمِل فأخذ الحق،وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته"رواه الطبراني